سامر شقير: هل يقترب مضيق هرمز من فقدان هيمنته الاقتصادية؟
ما يتم تداوله حول "نهاية عصر مضيق هرمز" لا يجب التعامل معه كعنوان إعلامي مبالغ فيه، بل كمؤشر على تحوُّل استراتيجي عميق في خريطة الطاقة والتجارة العالمية.
فالعالم اليوم يُعيد تقييم نقاط الاختناق الجيوسياسية التي طالما شكَّلت أساس تدفق النفط والتجارة لعقود، وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية.
لكن ما يُغيِّر قواعد اللعبة فعليًّا هو أن الاعتماد العالمي على نقطة عبور واحدة أصبح مخاطرة استراتيجية غير مقبولة، التوترات الجيوسياسية المتكررة في منطقة الخليج، خصوصًا المتعلقة بإيران أظهرت مرارًا كيف يمكن لأي اضطراب أن يخلق صدمة فورية في أسواق الطاقة العالمية، وهذا الواقع يدفع الدول والشركات إلى البحث عن بدائل أكثر أمانًا واستقرارًا.
موضوعات ذات صلة
سامر شقير: كأس آسيا 2027 في السعودية تُمثِّل تحولًا اقتصاديًّا تاريخيًّا يتجاوز حدود الرياضة
سامر شقير: تهديد جزيرة خرج فخ استراتيجي يُهدِّد الاقتصاد العالمي ومصالح المستثمرين في عام 2026
سامر شقير: الأسواق لم تعد تُدار بالأرقام بل بالتصريحات السياسية
من التوقع إلى المرونة… سامر شقير يكشف قواعد بناء الثروة الجديدة
سامر شقير: السعودية تُعيد تعريف الدولة الحديثة خلال أقل من عقد
سامر شقير: بلاك روك تضع معيارًا جديدًا لـ”الاحتفاظ بالمواهب”.. المال وحده لا يكفي في 2026
سامر شقير يقرأ مسار 300 عام من الثروة السعودية.. من الدرعية إلى التريليون
سامر شقير: الذكاء الاصطناعي يقود ثورة القرار الاستثماري في السعودية ويحوّل السوق من السرعة إلى الذكاء
سامر شقير: المنافسة العقارية السعودية القادمة ستكون على ”جودة المنتج” لا السعر
سامر شقير: تكامل المنظومة العقارية يجعل المدن السعودية وجهات عالمية للعمل والعيش
سامر شقير: نمو الاقتصاد السعودي بنسبة 4.5% يكسر حاجز التوقعات الدولية
سامر شقير: السعودية تقود استقرار الطاقة العالمي وتدعم النمو الداخلي بالتوازي
في الوقت نفسه، يشهد العالم تحولًا هيكليًّا في قطاع الطاقة، مع صعود الغاز الطبيعي المسال، وتسارع الاعتماد على الطاقة المتجددة، وتراجع تدريجي في هيمنة النفط المنقول بحرًا، هذه التَّغيُّرات لا تعني نهاية النفط، لكنها تعني نهاية "الاحتكار اللوجستي" الذي كان يتمتع به عدد محدود من الممرات البحرية.
التاريخ يُقدِّم لنا مثالًا واضحًا على هذه الديناميكية قناة السويس كان يومًا الشريان الأهم للتجارة العالمية، لكنه اليوم يواجه منافسة من ممرات بديلة مثل الطرق القطبية ومبادرات الربط البري بين آسيا وأوروبا.
الدرس الأساسي هنا واضح، لا يوجد ممر استراتيجي يحتفظ بهيمنته إلى الأبد، بل يتغيَّر دوره مع تطور التكنولوجيا والسياسة والاقتصاد.
في هذا السياق، تبرز السعودية كأحد أكبر المستفيدين من هذا التحوُّل الجيو-اقتصادي، الموقع الجغرافي الفريد الذي يربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، إلى جانب الإطلالة المباشرة على البحر الأحمر، يمنحها ميزة استراتيجية تجعلها في قلب أي إعادة تشكيل لسلاسل الإمداد العالمية.
لكن الأهم من الموقع هو تسارع البنية التحتية بشكل غير مسبوق، وتوسع المواني، وتطوير المناطق اللوجستية، ومشاريع عملاقة مثل نيوم، كلها تشير إلى أن المملكة لا تراقب التحوُّل فقط، بل تشارك في صناعته.
هذا التوجُّه يعكس رؤية اقتصادية طويلة المدى تهدف إلى تحويل البلاد من اقتصاد يعتمد على تصدير الموارد إلى مركز عالمي للخدمات اللوجستية وإعادة التصدير.
من منظور استثماري، الفرص لا تقتصر على قطاع واحد، قطاع اللوجستيات يُمثِّل اليوم ما يمكن تسميته "نفط المستقبل"، حيث تنمو أرباحه بشكل متسارع مع توسع التجارة العالمية وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، كما أن مشاريع خطوط الأنابيب تمثل أداة استراتيجية لتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالممرات البحرية التقليدية.
إلى جانب ذلك، تظهر قطاعات جديدة بقوة مثل الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، والتي ترتبط مباشرة بمشاريع كبرى داخل المملكة، هذه التحولات لا تُعيد فقط تشكيل مزيج الطاقة، بل تخلق فرصًا استثمارية مرتبطة بالبنية التحتية والتكنولوجيا والتمويل.
العقارات الصناعية أيضًا تدخل بقوة في هذه المعادلة، خصوصًا المستودعات ومراكز التوزيع والمناطق اللوجستية، هذه الأصول غالبًا ما يتم تسعيرها متأخرًا مقارنة بالنمو الفعلي في الطلب، ما يجعلها فرصة استثمارية جذابة على المدى المتوسط والطويل.
أما على مستوى الأسواق المالية، فإنَّ الشركات المرتبطة بالطاقة والبنية التحتية مثل أرامكو وسابك وشركات الخدمات اللوجستية ستكون في قلب هذا التحول.
لكن من المهم تصحيح الفكرة الأساسية، مضيق هرمز لن يفقد أهميته بالكامل خلال عقد واحد، لكنه سيفقد جزءًا كبيرًا من احتكاره، الفرق بين "فقدان الأهمية" و"فقدان الهيمنة" جوهري جدًا بالنسبة للمستثمرين، لأن السيناريو الثاني يعني تنوعًا أكبر في طرق الإمداد وليس انهيارًا في النظام الحالي.
من هذا المنطلق، يمكن بناء استراتيجية استثمارية متوازنة تقوم على توزيع المخاطر بين البنية التحتية، والطاقة الجديدة، والأصول الصناعية، والأسهم القيادية، مع تقليل الاعتماد المفرط على
الأنشطة المرتبطة بمسارات نفطية تقليدية معرضة للتقلبات.
في النهاية، ما نشهده ليس مجرد إعادة رسم لمسار شحن أو ممر بحري، بل إعادة هندسة كاملة للاقتصاد العالمي.
العالم يتحوَّل من الاعتماد على نقاط اختناق محدودة إلى شبكة متعددة المسارات، وفي هذا التحول، تنتقل بعض الدول من موقع "العبور" إلى موقع "القيادة"، والسعودية اليوم تقف في قلب هذا الانتقال التاريخي، ليس كمتفرج، بل كفاعل رئيسي يُعيد تشكيل قواعد اللعبة.



 (2).jpg)


























محمد سعيد: رحلة الروح إلى أعماق الفلسفة
ضياء رشوان: مرة أخرى أكاذيب الإخوان الخمس
ماريا معلوف: انتخابات الحزب الجمهوري.. ما بين قلق السباق وطيف ترامب
عمرو الشوبكي: العالم وحقوق الإنسان