موقع السلطة
السبت، 15 أغسطس 2020 07:34 مـ
موقع السلطة

رئيس التحرير محمــــــــد السعدني

مدير التحرير عبد العزيز السعدني

  • البنك الأهلي المصري
  • تطوير مصر
  • الاهلي
  • black horses
مقالات رأي

شرفة التأمين الصحي المطلة على ثلاجة حفظ الموتى! (١)

عبد العزيز السعدني مدير تحرير السُلطة
عبد العزيز السعدني مدير تحرير السُلطة

ابتعدت فترة عن الكتابة، فترة ليست هينة.. لم أكن أتوقع أنني سأعود لها يوما ما، ومن هذا المكان، وفي هذا الهواء البارد على استحياء.. وفي هذا الموقع المميز في أوساط مدينة بنها.. مبنى التأمين الصحي، الدور الرابع قسم القلب غرفة ٤٠٢، وتحديدًا شُرفتها الطويلة التي يتقاسمها جميع المرضى والمرافقين والزائرين أيضًا.. ويستوطنها أحيانًا أفراد الأمن التابعين لإحدى الشركات المتعاقدة مع التأمين الصحي والذين يفتقدون التعامل الآدمي مع رواد المبنى الأبيض، بعنجهية أقرب لشخصية محمود عبد العزيز في فيلم البريء.. ليس موضوعنا ولكن سأعود له!



الموضوع الأهم الآن هو الشُرفة.. التي عندما تنظر منها تجد مدرسة الثانوية بنين التي تصنع جيلا جديدا وعندما تحرك عينيك للأسفل قليلا تجد ثلاجة حفظ الموتى الذي تقطف أجيالا قدامى!.. لا أعلم وجودها في خلفية المبنى صُدفة أم عظة واعتبار لأي مريض لم يعتبر.. طويلة بعرض المبنى تضم جميع غرفاته البحرية.. يفترشها الزائرون في ساعات الزيارة الرسمية، وبعضهم مما يمتلكون الواسطة باقي اليوم، بجانب عدد من المرضى الهاربين من مراقبة ملائكة الرحمة الفاقدين لجميع أشكال الرحمة على وجوههن، من أجل الظفر بإشعال سيجارة.. كلما زاد كثافة دخان السيجارة اضطربت نبضات القلب الأربعة وربما اختفت إحداها خشية صيد الممرضات في الماء العكر حسبما يرى كل منتحرمنهم في حفرة النفس الأخير.



أحدهم حضر إلى العنبر صباح اليوم.. شريك جديد لأربعة شركاء، يتعدى طوله ال ١٧٠ سم، جسد منهك ووجه لونه بُرتقالي، ونمش جميل وجوده في وجوه النساء ويا حبذا لو في أجسادهن!.. ولكن ضحكته الرائعة تخفي كل شيء.. بشوش وجه يسر الناظرين، ولسان رطب يلمس قلوب الحاضرين.. له حضور طغى على شركاء عنبر ٤٠٢.



جمعته الصدفة بوالدي أنه في السلك التعليمي كمُعلم رياضيات في المرحلة الابتدائية بشرق شبرا التعليمية، ووالدي كموجه سابق للغة الإنجليزية.. وجمعتني الصدفة به في شرفة الدور الرابع على شرف التدخين! وجدته يمسك السيجارة ماركة كليوباترا (معشوقة المصريين)، أصابعه تلتف حولها كاشتياق رجلٍ يضم امرأة ضل النصيب طريقهما.



بادرته بالنصيحة: "خلي بالك لو الممرضة شافتك هتسمعك كلام يضايقك"، فباغتني سريعًا: "خليها تجرب علشان أديها قلمين على وشها، وآخد نفسي وأروح"، فضحكت لإخفاء هزيمتي في مباغتته، وباغتني مرة ثانية بضحكة طفل لا يحمل للحياة همًا!



طوال اليوم، منذ صباحه، التقينا مرات عدة، وبعد معرفته بطبيعة عملي، تناقشنا في معضلات أبرزها الرئيس السيسي وتجديد الخطاب الديني، ودماء الخلافة الإسلامية وعصورها، وضرورة التلميح من ارتباط النصوص والأزمنة واختلافها من حين إلى حين.. وتطرقنا إلى ما تربى عليه أجدادنا وما تربى هو عليه (جيل آباءنا)، وما نحن عليه جيل اليوم.. وضرورة الأخذ في الاعتبار اختلاف الأزمنة واختلاف الأجيال!



في كل مرة لا يخلو حواره من تطفل دخان سجائره، يشعل سيجارة تلو الأخرى، لدرجة أنني تخيلت للحظة ما أنه جاء التأمين الصحي في إجازة نهاية الأسبوع، لقضاء وقت حميمي مع رفيقاته بعيدا عن تطفل زوجته!



ويوم تلو الآخر أصبحنا شبه أصدقاء مؤقتًا؛ تتداول الحديث تارة، وتارة أخرى نتبادل سجائرنا إلا أنه لا يحبذ سيجارتي ذات الفلتر الملون.. حاولت تقديم النصيحة أن السجائر قد تُعجل من موته، فصدمني: عارف أنا بشرب سجاير بقالي ٤٠ سنة، من ابتدائي وأنا بشرب، مش هموت منها، أنا هموت لو بطلتها.. وبعدين إيه يعني لما أموت كلنا هنموت، والموت راحة! مش صح بردو؟



أومأت برأسي موافقًا إياه في الرأي وكلي حسرة!.. ما الذي يدفع رجلا غير الإيمان بالله والرضاء بقضائه وقدره، أن يكون أكثر شجاعة من الموت؟ ماذا حدث لهذا الرجل جعله يفضل الموت عن الحياة؟! جميعنا لسنا مؤمنين بالقدر الكافي- وحتى كاتب المقال- لنستقبل الموت هكذا!



أطفأت سيجارتي واستأذنته على أن نلتقي في سيجارة أخرى وحديث جديد.. وقبل أن يوافق برحيلي جاءته مكالمة هاتفية، فقبل أن يجيب قال: البيت بيطمن.. ثم أجاب: أيوة يا حاجة، الحمدلله، أنا كويس ومبشربش سجاير وملتزم بكل حاجة، والدكاترة طمنوني.. ام امم تمام.. سلام يا حاجة.. عاوز سلامتك.. سلام.



تدخل المُمرضة بمعطف أبيض لقياس الضغط لقاطني الغرفة الخمسة الذين أصبحوا ونسًا مؤقتًا لبعضهم البعض، حتى جاء الدور على صديقي، فجأة صاحت أنت ريحتك سجاير، انت بتشرب سجاير؟! فرد عليها: مش أنا دا عادل (صديق جديد في الغرفة عضلة قلبه تعمل بكفاءة ٢٧%)، فأومأ عادل بأنه من يدخن فتذكرت مقولة "هو الواحد ليه إيه عند صاحبه غير ٣ حاجات"، وضحك الجميع، فعاودت الممرضة نهره: أنا هقول للدكتور، فسارع: بدل ما تقوليله هاتي لبانة أغير بيها طعم بؤي.. فضحكنا مُجددًا في أثناء خروج الممرضة تضرب كفًا على كفٍ.



عاود (ط..) الحديث: أقولكم المفاجأة أنا مركب دُعامتين في أغسطس اللي فات، وما أخدتش الدوا لمدة شهر وأكتر، وما بطلتش تدخين، لحد ما الدكتور حجزني تاني بسبب شرايين جديدة اتقفلت.. يحكي تلك المأساة وابتسامة لا مبالاة ترتسم وجهه وتعجب يرتسم وجوه الحاضرين داخل عنبر ٤٠٢.



كل ما فات اعتبرته هينًا حتى أطل علينا دكتور القلب المناوب الذي صدم جميع الحاضرين في العنبر عدا صديقي!

 

إلى اللقاء في سيجارة قادمة..

البنك الأهلي - فون كاش
التأمين الصحي مقالات رأي عبدالعزيز السعدني