موقع السلطة
الإثنين، 4 مايو 2026 03:10 مـ
موقع السلطة

رئيس التحرير محمد السعدني

  • اتحاد العالم الإسلامي
  • nbe
  • البنك الأهلي المصري
مقالات رأي

الكيت كات: رفضه الزعيم.. ليبدع فيه الساحر

موقع السلطة

فن السينما هو إعادة تعريف وتشكيل الواقع من منظور وزاوية صناعه، فن خٌلق ليعيش سنوات من خلال صورة متحركة نعيش بداخلها حياة أخرى لبضع ساعات ونتعرف على شخصيات يعيشون معنا خلال مدة الفيلم وأحيانا نتأثر بهم في حياتنا، لذلك قررنا رصد أهم الأعمال الفنية في تاريخ السينما وسرد تفاصيل وتحليل كل عمل منهم.

تعتبر السينما صناعة من أهم أهدافها تحقيق أرباح، لكن هناك من أنحاز للسينما الواقعية التي تقدم الحياة الحقيقية، هناك من أنحاز لسينما الفقراء، حتى على حساب الإيرادات، ومن أهم تلك الأفلام هو فيلم " الكيت كات" للمخرج داوود عبد السيد.

شهدنا أعمالا أدبية عديدة تحمس لها صناع السينما وقدموها، من أفضلهم وإن لم يكن الأفضل هو فيلم " الكيت كات"، رواية كتبها الأديب " إبراهيم أصلان" وكان لها حكاية، وقتها كان يعمل أصلان في هيئة البريد " بوسطجي" وقدم عددا من المجموعات القصصية القصيرة ، حتى حصل على جواب تزكية من نجيب محفوظ للحصول على إجازة سنة من عمله بشرط تقديم رواية طويلة، ليكتب أصلان روايته " مالك الحزين " التي حققت نجاحا كبيرا وأصبحت من أهم 100 رواية في تاريخ الأدب العربي ويقرر المخرج داوود عبد السيد تقديمها لتظهر لنا رائعة " الكيت كات " عام 1991 .

هذا العام كان من أقوى مواسم السينما في مصر، عٌرض خلاله فيلم الهروب والمواطن مصري وشمس الزناتي والكيت كات، كانت الإيرادات وقتها من نصيب عادل إمام في " شمس الزناتي" لكن الإشادة الفنية كانت من نصيب الكيت كات والهروب.

من أهم سمات سينما داوود عبد السيد هو تفوق الحوار والجوانب الإنسانية للشخصيات التي يقدمها، فيلم الكيت كات الذي يقدم لنا الشيخ حسني، ذلك الشيخ الكفيف الذي يهرب بالمخدرات من واقعه ويدمنها لدرجة أنه باع منزله من أجله، ونجله الباحث عن هجره، وأمه السيدة العجوز التي تتحمل مسؤوليتهما، حياة أسرة مصرية تعيش في منطقة الكيت كات وحكايتها مع الجيران وأهالي المنطقة.

المشاهدة الأولى للفيلم لا تكفي أبدا في تقيمه، ولا يمكن اعتباره فيلم يقدم ضحكا على رجل فقد بصره، شخصية " الشيخ حسني " تمثل الإنسان المصري المطحون الذي يعيش في خياله ويرسم أحلاما ينسى بها الواقع الذي يعيشه، أنكر الشيخ حسني عجزه إنكارا نفسيا، وعاش في أحلامه كأنها حقيقة، فتجده طول الوقت يسحب رجل أعمى آخر كمرشد له، يحاول به الشيخ حسني أن يثبت لنفسه أنه مفيد لأحدهم وأنه ليس عالة على من حوله بعد أن فقد نظره وأتلفته الموسيقى " كما تردد دائما أمه، فنجده يتغزل له في فتاة تمر أمام القهوة، يصف له فيلما سينمائيا بطريقة مغايرة للحقيقة، أشياء تمنى الشيخ حسني لو فعلها في الحقيقة لكنه لم يفعل، نفس الخط الدرامي الذي أبرزه داوود عبد السيد خلال أحداث الفيلم من خلال قدرة الشيخ الأعمى على التوقع واستخدامها بشكل كوميدي وأيضا عندما قرر أن يسوق الموتسيكل بنفسه، كأنه يثبت لنفسه أنه قادر على فعل أي شيء وأنه إنسان عادي، تلخيص شخصية الشيخ حسني الذي أبدع فيها الفنان محمود عبد العزيز جاء في جملة على لسان نجله " يوسف" والذي قدم دوره شريف منير عندما قال " مشكلة أبويا أنه مش قادر يصدق أنه راجل أعمى ".

أثناء محاولات الشيخ حسني للهرب في خياله يطارده الواقع من خلال شخصية " عم مجاهد "، ربط داوود عبد السيد بخيط رفيع ضمير شخصية الشيخ حسني بعم مجاهد الذي كان طول الوقت يحاول أن يؤنبه على بيع منزل والده ويواجهه بالحقيقة، حتى أنهار الشيخ حسني وقدم أسبابه أمام عم مجاهد كأنه يحدث نفسه ويطهرها.

شخصية " يوسف " تمثل قطاع كبير من الشباب في هذا الوقت، الشاب الرافض للعمل في بلده بسبب قلة الأجور والراغب في السفر والهجرة لأوروبا، وهو الحوار القائم بينه وبين جدته طوال الفيلم والتي تطلب منه أن يبحث عن عمل وهو يكتفي بالنوم، تحدث " يوسف " وقتها بلسان حال الكثيرين، وكان صديقه يمثل القطاع الآخر الذي كان يبحث عن السفر ولكن بطريقة أخرى وظهر ذلك في حوار بينهم عندما قال له " ما تسافر الكويت طالبين مدرسين" ليرد عليه " انا مش عاوز دولة عربية، انا عاوز أسافر أوروبا"، ليصبح يوسف أحد أطراف الصراع الهاديء في الفيلم والذي يجبر والده على بيع المنزل لاستكمال حلم السفر مع وعد منه باسترداد هذه الأموال كلها عندما قال له " دانا هقبض بالدولار".

العامل المشترك بين الشيخ حسني ونجله رغم أختلافهما الكلي في النظرة للحياة هو " العود "، الشخصيتان أحبا اللعب على العود هربا من شيء ، شخصية الشيخ حسني كان تلعب على العود في حلسة تعاطي المخدرات مع بعض رجال المنطقة، محاولة لخلق مزاج جيد ينسيه الواقع الذي يهرب منه طول الفيلم، أما نجله يوسف فكان يلعب العود للتوحد مع أحلامه في السفر والهروب من ذلك الشارع والمنزل القديم.

من أهم شخصيات الفيلم أيضا شخصية " الهرم " التي جسدها الفنان نجاح الموجي، تاجر المخدرات الذي اشترى منزل الشيخ حسني بـ"وقتين حشيش" وأيضا هنا رمى داوود عبد السيد لمشكلة كانت منتشرة في تلك الفترة وهي سيطرة الكثير من المقتدرين على منازل فقيرة وبناء أبراج سكنية غزت شوارع القاهرة فيما بعد، حاول داوود أن يظهر ذلك من خلال الحوار الذي دار بين الشيخ حسني وصاحب القهوة عندما قال له " دا ناوي يهد البيت بالقهوة ويبني مكانهم عمارة كبيرة ".

رغم قلة أفلام داود عبد السيد والذي لم يقدم كل ما لديه حتى الآن ، إلا أن البداية الحقيقية لفيلسوف الإخراج المصري كانت من فيلم الكيت كات ، ليقدم بعدها أعمالا مميزة مثل أرض الخوف وأرض الأحلام ورسائل البحر.

موسيقى الفيلم للمؤلف الموسيقي راجح داود، خالف داود بالموسيقى التي قدمها رؤية الكثيرين لشكل الفيلم، البناء الدرامي للفيلم يعبر عن " الشارع المصري" ومع ذلك صنع داود موسيقى كلاسيكية لا تمت للموسيقى الشعبي بصلة، هنا أثبت راجح أن أي فيلم سينمائي لا يحمل بعدا واحدا أو يمكن توحيد النظر إليه، فكما رآه البعض من منظور شعبي هو عبر بموسيقته عن الجانب الإنساني لمتحدي عجز البصري وبالتالي قدم موسيقى كلاسيكية مشوقة.

نجح داوود عبد السيد في تحويل رواية من أنجح أعمال الأدب العربي لواحد من أفضل الأفلام الاجتماعة التي تحمل كوميديا سوداء في تاريخ السينما المصرية، فيلم رفضه عادل إمام وكان السبب وقتها أن سينما " داوود عبد السيد " لا تحمل إفيهات، ليعرض المخرج الفكرة على محمود عبد العزيز ليقدم رائعة " الكيت كات ".

البنك الأهلي

آخر الأخبار